الثلاثاء، 1 أكتوبر، 2013

ضحالةٌ منهجية (6)

في أحد الأيام كنتُ أركب في عربة "كَبُّوت"، و حدثت مُشادة بين السائق و بين أحد الركاب؛ بسبب أن السائق كان يتوقف كثيراً ليُقِل ركاباً جدداً بما يفوق طاقة العربة علي الحمل، فانفجر السائق و الراكب في الصراخ لفترةٍ قصيرةٍ بينما نهديء من روعهما و نحاول فض الاشتباك حتي تسير العربة إلي وجهتها.

ثم بينما كان السائق يسير ناحية عجلة القيادة وجدتُه يبرطم بكلماتٍ كلها سبابٌ للراكب، ثم قام بسب الدين له بصوتٍ مسموع !، هنا لم أتحمل أن أصمت فقمتُ بسب السائق و تركتُ له العربة بأكملها و وقفتُ أنتظر علي قارعة الطريق وصول عربةٍ أخري؛ فمن الممكن أن أتحمل أي سخافةٍ أو بذاءةٍ من السائقين إلا في مسألة سب الدين؛ فلو صمتُّ فربما يكون حكمي الشرعي هو الكفر الواضح، و هذا هو الخسران المبين.

هذا الموقف (رغم ما يُلقيه في القلوب من غضبٍ و غيظٍ و ألم) كان و لا يزال من المواقف السيئة التي أتوقع حدوثها في أي وقت؛ فأنا أعلم أن كثيراً جداً من سائقي عربات الأجرة (إن لم يكن أغلبهم) لا يتورعون عن السباب القذر و سب الدين عندما يتشاجرون، بل و عند أقل استفزازٍ يحدث لهم !، و كثيراً ما أتجنب الجلوس بجانب سائق العربة التي أركبها حتي لا أسمع غيبته لعباد الله الغافلين، أو حتي لا أسمع بذاءاته و سبابه لكل من يحتك بهم (و سائقوا العربات يحتكون بكثيرٍ من الناس حسبما رأيتُ) !

لكن ما جعلني أضرب أخماساً في أسداس هو رد فعل شابٍ كان يجلس تحت مِظَلَّةٍ علي قارعة الطريق و رأي كل ما حدث، كان الرجل يجلس و معه امرأةٌ منتقبةٌ من قريباته، و حينما رأي ما حدث كان التعليق الذي فتح الله به عليه هو أن قال لي بكل هدوءٍ و وقارٍ - حينما لاحظ لحيتي القصيرة للغاية (السكسوكة) -: "هي دي سبب المشكلة" !

يا بؤبؤ عيني !

تأملوا أكرمكم الله المنطق المقلوب الذي تحدث به ذلك الذي يُفترَض أنه مسلمٌ: لقد تقبل كل الشتائم التي تلفظ بها السائق بشكلٍ عادي، بل و تقبل سب السائق لدين الله تعالي ذاته بشكلٍ عادي !، ثم علَّق المشكلة كلها علي اللحية الطفلة التي لديَّ !

هل تظنون أن هذا كل شيء ؟، خذوا إذاً الطامَّة الكبري: بعد أن ركبتُ عربةً أخري مع ذلك الأخ فوجئتُ بهاتفه يرن، و فوجئتُ بأنه جعل نغمة هاتفه المحمول عبارة عن آية من القرآن الكريم !!!
فأي غيبوبةٍ فكريةٍ و أية سفاهةٍ هاتين ؟!

يتقبل سب الدين بشكلٍ عاديٍ و لا يغلي دمه بسبب هذا، بل و يُلقي اللوم علي لحيتي القصيرة حينما ثرتُ غيرةً علي الدين !، و لكنه في نفس الوقت تكون قريبته منتقبةً و يضع آيةً من القرآن الكريم رنةً لهاتفه المحمول كإثباتٍ أنه من الشعب "المتدين بطبعه" !. 
يعني جَمَع الرذائل كلها: عدم الغيرة عل الدين، بل و لوم الغيورين علي غيرتهم و إيجابيتهم في الدفاع عن الدين، ثم امتهان القرآن الكريم بجعله رنةً للمحمول، ثم تحويل عبادة ارتداء النقاب إلي مجرد تعبدٍ شكلي. و أنا أثق مئة بالمئة مما قاله و فعله الأخ أننا لو بحثنا عنه ثم نظرنا إلي اعتقاداته الدينية لوجدناه صوفياً من الغُلاة كغالبية أهلي من الصعايدة، فيكون بذلك قد وصل إلي ذروة الازدواجية بين ادعاء حب الدين و الرسول و آل بيته، ثم في نفس الوقت ترك العمل لصالح الدين و قضايا الأمة الحقيقية.

هذا الرجل يذكرني بصديقٍ لي منذ أيام الطفولة في قريتي، و الذي اضطررتُ في الشهور الماضية أن أحظره علي الـfacebook؛ و طوال سنين صحبتنا كنت أتمالك نفسي من أن أقوم بخطوةٍ مثل هذه لأجل الصداقة التي كانت بيننا؛ لكن ما فجَّر مرارتي تفجيراً و جعلني أكتب له تعليقاً نارياً علي مدونته أنه يرتدي زي الوسطي طوال الوقت مع أن كل كلامه ينم عن تحيزٍ فاشلٍ في التنكر، أو علي الأقل عن ميزانٍ من موازين المُطفِّفِين في منطق التفكير !

و المصيبة أنه كان يناقشني و يتهكم علي آرائي و يسخفها و هو أصلاً لا يقرأ المقالات التي أكتبها !، و بمجرد قراءته لكلمتين لي علي الـfacebook موجهتين لأناسٍ معينين: أصدر حكمه أن كل كلامي من النوعية التي تسيء للإسلام !، و أن أمثالي من الحمقي هم السبب في ازدياد عدد الملاحدة !، بل إنه كان في المناقشات التي تدور بيننا يُسمعني كلاماً ثقيل الوطء و هو مطمئن؛ لأني طوال الفترة التي مرَّت كنتُ كالعادة أحاول ألا أرد عليه رداً قاسياً لأنه صاحبي !

انتبهوا هنا إلي أنه لم يُهاجِم العالمانيين أبداً بذات الحدة النارية التي كان يهاجمني أنا صديق طفولته بها !، مع أنه يُفترض به توجيه تهمة التنفير من دين الله تعالي و التسبب في زيادة عدد الملاحدة إليهم و ليس إليَّ، أو علي الأقل هم أولي مني بمثل تلك التهمة الشنعاء فإذا ما وجهها إليَّ مرةً كان من اللازم بميزان العدل أن يوجهها إليهم ألف مرة، و لو أنه قارن كل مقالاتي التي يقول أنها تُسييء للدين بتسجيلٍ مرئيٍ واحدٍ لأحد العالمانيين بإنصافٍ و تجرد: لما استطاع إلا مدحي بأني إمام الأئمة و فخر الأمة !

بالطبع بعد فترةٍ لم أستطع تحمل أسلوبه و لا منهج تفكيره فتخلصتُ من صداقته غير آسِفٍ عليها، و الحمد لله رب العالمين. فاللهم إنا نسألك العافية: إن هي إلا ظلماتٌ بعضها فوق بعضٍ من الأهواء و موازين المنطق المقلوب !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.