الخميس، 3 أكتوبر 2013

قاعدتان وثنيتان

من الأشياء التي يمكن ملاحظتها بسهولةٍ في معاشر الوثنيين بصفةٍ عامة، و في الإغريق بصفةٍ خاصةٍ أنهم يميلون في عقيدتهم عن الآلهة و البشر و العلاقة ما بينهما إلي السير علي القاعدتين التاليتين:

  • التقليل من كمال تلك الآلهة و قدراتها، و صبغها بصبغةٍ بشريةٍ واضحة، من حيث اتصافها بالغيرة و الحقد، و كذلك قابليتها للمرض أو الإصابة !، و غيرهن من الأمور البشرية الأخري.
  • المبالغة في قدرات بعض البشر و جعل تلك القدرات المُبالَغ فيها من طبيعة هؤلاء البشر و ليست "ممنوحةً لهم" من صاحب قدرةٍ أعلي، سواءٌ أكانت قدراتٍ جسدية (مثل وجود أنصاف الآلهة الناتجين عن تزاوج البشر مع الآلهة، كـ"هرقل" علي سبيل المثال)، أو كانت قدراتٍ عقلية (مثل مبالغتهم في اليقين بأن العقل البشري قادرٌ علي فهم "كل شيء" و الوصول إلي "كل الحقائق" حتي بدون اللجوء إلي المنهج التجريبي في البحث العلمي) !


و من الطبعي مع عقلياتٍ لها هذا المنهج في التفكير أن يكون تحريف النصاري للعقيدة الإسلامية النقية التي أتي بها رسول الله عيسي عليه السلام كما هو عليه الآن؛ كتوضيحٍ عمليٍ للتأثيرات الوثنية و ما يمكنه أن يكون عليه أثرها علي العقائد السماوية النقية. فقد قاموا بتطبيق المنهج السابق الذِكر بحرفيةٍ تامة، ليحصلوا علي النتيجة التالية:
  • التقليل من القدرة الإلهية المُطلَقة، فإلههم ينكح النساء و له صاحبةٌ أنجب منها ولدا، و هو ليس مطلق القدرات؛ فله ثلاثة أقانيم أحدها هو "الابن" الذي له نقاط الضعف الناسوتية التي لدينا نحن البشر العاديين: فهو يأكل و يشرب و يقضي حاجته، و يعيش بين أطفال اليهود حتي يكبر ليقتله هؤلاء اليهود و يُعلقوه عارياً علي صليبٍ خشبي !،
  • الرفع من قدرة البشري الرسول "عيسي" عليه الصلاة و السلام، فمقام النبوة لا يعطيه قدراتٍ إلا بإذنٍ من الله عز و جل مهما بلغت إعجازية تلك القدرات، و قد كانت قدراته و معجزاته صلوت الله و سلامه عليه من جنس إحياء الموتي بإذن الله تعالي، و إبراء الأمراض التي لم يكن لها علاجٌ ساعتها بإذن الله عز و جل. أما المقام الذي وضعوه فيه فهو مقام الـ"نصف إله" الذي يشبه "هرقل" بالضبط، بل و زاد بعضهم في المبالغة قائلين أن الابن له نفس جوهر الأب، و له نفس قدراته و مشيئته !

    كما بالغوا في قدرات بعض البشر الآخرين ليكملوا النقص الذي وجدوه في مُعتقَدهم، فمثلاً الذين قاموا بكتابة الكتب المقدسة عند النصاري (أعني: يُوحَنَّا، مَرْقُس، لُوقَا، مَتَّي) من المفترض أنهم بشرٌ عاديون، و بالتالي فإنه لا يمكن إضفاء قداسةٍ علي أي كتابٍ يقوم بتأليفه أمثال هؤلاء مهما بلغ صلاحهم و تقواهم عند الناس، لكن النصاري يقولون بأن كتبة الكتب المقدسة "مُلهَمون" *، و بالتالي فإن الكتب التي كتبوها لها صفة الإلهامية التي تضفي عليها صفات التقديس !

    بل و اضطر بعضهم إلي فعل ذات الشيء مع بعض مترجمي كتبهم المقدسة من لغاتها الأصلية إلي لغاتٍ أخري؛ فالترجمة في حد ذاتها لا يمكنها نقل كتابٍ سماويٍ بنفس قدسيته الأولي، لأن قدسية الكتاب السماوي مستمدةٌ من كونه قد جاء من عند الله تعالي بحروفٍ معينةٍ مرتبةً ترتيباً معيناً، في كلماتٍ لها معانٍ معينةٍ في لغتها، و في عباراتٍ و جملٍ و فقراتٍ معينة. أما الترجمة فليست إلا نقلاً لبعض معاني الكتب إلي لغةٍ أخري، فلا يمكن ترجمة كتابٍ سماويٍ بحيث تكون لكلمات الترجمة في اللغة الجديدة نفس الاحتمالات المتعددة التي للكلمات الأصلية في اللغة الأصلية. 

    و حتي إن افترضنا تَوافُق المعاني بكل احتمالاتها: فستبقي الحقيقة الواضحة أن الله تعالي أنزل الكتاب الأول بتلك الحروف و الكلمات و الجمل و الفقرات التي اختارها تبارك و تعالي بذاته، بينما نقل البشر معناها بحروفٍ و كلماتٍ و جملٍ و فقراتٍ من اختيارهم هم !.
    و رغم ذلك لجأ بعض النصاري للقول بعصمة مترجمي "الترجمة السبعينية" فيما يخص عملية الترجمة، و أنهم كانوا ساعتها "مُلهَمِين" كالأنبياء !
    **؛ لستر العيوب التي في الترجمة ذاتها في المقام الأول، ثم لإضفاء صفة القداسة علي ما يتداولونه في أيديهم من كتبٍ مُحرَّفةٍ ممسوخة فيكون لهم القدرة علي إسكات عامتهم عن التساؤل عن مدي صحة عقائدهم و أفكارهم.

و بالمثل يمكننا النظر إلي هوجة الأبطال الخارقين الذين ملأ الغربيون بها الدنيا علي أنها هوجةٌ من "أنصاف الآلهة"؛ فبالنظر إلي صفات أولائك الأبطال نجد أنهم مخلوقاتٌ لها قدراتٌ فوق بشرية (و بعضهم ليس بشراً من الأصل و إن كان له تكوينٌ بشري، مثل "سوبرمان" الذي أتي من كوكب "كريبتون")، كالقدرة علي التحكم في الرياح و/أو البرد و/أو الحرارة و/أو القدرة علي الطيران... و خلافهن من الخوارق.
بينما تمتليء حكاياتهم بالعقائد الغريبة بشأن الآلهة، فقد تكون إنكاراً تاماً للإله و/أو أفعاله المُستقِر في الوجدان البشري أنها تتعلق بالإله الكامل (مثل ترسيخ عقيدة "النشوء و الارتقاء" التي تنكر خلق الإله للبشر)، أو حتي تكون عقيدةً غريبةً مُشوَّهةً من عقائد النصاري المختلفات.

و بسبب هذه القواعد التي استقرت عند أهل الوثنية و الجاهلية حرص رسول الله صلي الله عليه و سلم علي التنبيه إلي عدم المُغالاة في مكانته الشريفة، فعن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: { لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ؛ فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ } مُتَفَقٌّ عَلَيه.

و كذا فيُروي عَنْ قُتَيْلَةَ بِنْتِ صَيْفِيٍّ الْجُهَنِيَّةِ قَالَتْ:
أَتَى حَبْرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: { يَا مُحَمَّدُ، نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ، لَوْلَا أَنَّكُمْ تُشْرِكُونَ}، قَالَ: {سُبْحَانَ اللهِ، وَ مَا ذَاكَ؟ }، قَالَ: { تَقُولُونَ إِذَا حَلَفْتُمْ "وَ الْكَعْبَةِ" }، قَالَتْ: فَأَمْهَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ: { إِنَّهُ قَدْ قَالَ، فَمَنْ حَلَفَ فَلْيَحْلِفْ بِـ"رَبِّ الْكَعْبَةِ" }، ثُمَّ قَالَ: { يَا مُحَمَّدُ، نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ، لَوْلَا أَنَّكُمْ تَجْعَلُونَ لِلَّهِ نِدًّا }، قَالَ: { سُبْحَانَ اللهِ، وَ مَا ذَاكَ ؟ }، قَالَ: { تَقُولُونَ "مَا شَاءَ اللهُ وَ شِئْتَ" }، قَالَ: فَأَمْهَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ: { إِنَّهُ قَدْ قَالَ، فَمَنْ قَالَ مَا شَاءَ اللهُ فَلْيَفْصِلْ بَيْنَهُمَا "ثُمَّ شِئْتَ" }. ***



جربوا تطبيق هاتين القاعدتين الوثنيتين علي الحضارات الوثنية التي تعرفونها لتروا مدي تطبيق أهلها لهما.


-------------------------------
* يمكن القراءة عن نقض الادعاء بإلهامية تلك الكتب علي الرابط:

** يمكن قراءة المزيد عن الترجمة السبعينية و اختلاف النصاري حولها و حول إلهامية مترجميها علي الرابط:

*** أرجو الانتباه إلي أن اليهودي لم يُعلِّم رسول الله صلي الله عليه و سلم أمراً من الإسلام كما يقول بعض الحمقي من أعداء الدين، بل كل ما هنالك أنه لَفَت انتباه النبي إلي خطأٍ يقع فيه بعض حديثي الإسلام الذين تعودوا علي أفعال الجاهلية، فأمرهم النبي صلوات الله و  سلامه عليه بالتوقف عن ذلك و علمهم ما يَصِح. و للاستزادة حول هذا الحديث و الردود علي الشبهة التي تدور حوله يمكن قراءة النقاش الموجود علي الرابط:

هناك 5 تعليقات:

  1. نظرة ثاقبة للموضوع وأصله، وكأنك تدرسه منذ سنين!!.. فعلا النصرانية بدأت كامتداد للديانات الوثنية الرومانية\اليونانية، وتم "قولبتها" في قالب خارجي يهودي.. وأظن السبب هو رغبة اليهود في ربط روما بهم ليتقوا شرها وبطشها حين يظن أهلها أن الديانة الجديدة هي فرع لديانة بني إسرائيل.. لكن انقلب السحر على الساحر واضطهدت روما اليهود!

    وقديما قلت لأحد أصدقائي أن المسيحية لما جعلت عيسى عليه السلام "إلها"، اضطرت لتجعل صحابته الحواريين "رسلا".. فالنظام كله مضطرب عندهم من البداية. عافانا الله.

    لو تسمح سأنقل منك عدة فقرات لكتاب أساطير الأولين، مع العزو للمدونة، لأنك لخصت مسألة - كنت أفكر فيها - بأسلوب واضح ومختصر.

    ردحذف
    الردود
    1. شكراً علي الإطراء الذي لا أستحقه، خاصةً و أنه يجيء ممن جعل أمثال هذه العقائد تخصصه :)
      كل ما هنالك أنني "دودة قراءة"، و بالتالي فإنني أقرأ في أمورٍ كثيرةٍ للغاية و تبدو و كأنها غير مترابطة، لكن كل تلك القراءات (مهما قلَّت) يمكنها أن تترابط لتعطيك نظرةً شاملة لموضوعٍ من المواضيع.

      يمكنك أن تنقل ما تريد، و أعتبر هذا إطراءاً آخر لي :)
      بالمناسبة: كنتُ منذ مدةٍ أتساءل عن السبب الذي جعلت تتوقف عن طرح المزيد من فصول الكتاب: هل هو الانشغال في أمورٍ أخري، أم هو الرغبة في التجويد الزائد ؟

      حذف
    2. سبب التأخير 1) إحباط ناتج عن الوضع العام 2)تغيير أسلوب الكتاب وخطته العامة بحيث تكون أبسط. فكرتي الأصلية كانت فصول متصلة مرتبطة ببعضها جدا، بحيث تكتمل الفكرة والتفاصيل عند القارئ مع آخر جملة في آخر فصل!
      واتضح أن قدرة القارئ الآن على الهضم الفكري للموضوع بهذه الطريقة ستكون ضعيفة.. (أنا نفسي تُهت!!)
      أما الآن فكل فصل عبارة عن مقال مستقل بذاته، دون الحاجة لهوامش تقول: انظر الفصل الخامس لتفهم هذه الجملة.. إلخ

      حذف
  2. والعجيب أيضا وجود فرقة بأمريكا الآن تتشدد لدرجة اعتبار ترجمة الكتاب المعروفة (بترجمة الملك جيمس المعتمدة) هي نسخة ملهمة وموحى بها!!.. والسبب هو جهل عامة النصارى هناك للعبرية واليونانية، ولهذا أرادوا إضفاء القداسة على النص الإنجليزي الذي تمت ترجمته في القرن الـ 17 !!

    ردحذف
    الردود
    1. لا أستغرب من أمثال هذه الحماقات؛ فنمط التفكير النصراني كله عبارة عن "عك في عك"، و يستحيل أن يستقيم مع الفطرة السليمة و العقل الصرف، ناهيك عن الاستقامة مع عقولٍ صقلتها آيات القرآن و السنة الصحيحة !

      حذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.