الجمعة، 8 نوفمبر، 2013

ثقافة القطيع (1)

تحدثتُ كثيراً فيما كتبتُ سابقاً * عن أن كلام الناس لا أهمية له في أغلب الأحيان (خصوصاً في هذا الزمن العجيب)، و أن أغلبية الناس يهرفون بما لا يعرفون و يسيرون وفق مناهج ضحلة كأشد ما تكون الضحالة في غالب أوقاتهم، و بالتالي فإنه حتي في الأمور التي يكون فيها أخذ المشورة من الحصافة و الذكاء: فإن الوضع الحالي لعقليات الناس و تصرفاتهم و مناهجهم يجعلهم غير مُؤهَّلين لإسداء النصح و المشورة !

لكن الأمر الواقع يقول أن الوسط المحيط بك يفرض عليكَ في أحيانٍ كثيرةٍ للغاية أن تُسايره؛ سواءٌ أكان ذلك ضعفاً منك أو لعدم وجود طريقةٍ للتهرب منه، و يمكننا أن نُطلق علي حالة الإجبار هذه اسم "ثقافة القطيع"؛ لأنه في هذه الحالة فإن أغلبية المحيطين بك يُجبروك علي أن تستلهم تصرفاتك علي الأقل من واقع نظرتهم للدنيا و منهجهم في التصرف في المواقف المختلفة، و بهذا يتغلب تجمُّعهم و "قطيعهم" علي تفردك.

و لتصوُّر ذلك عملياً يمكنك أن تتخيل مثلاً أن هناك حالة طواريء في مدينتك (لا قدَّر الله)، و أنك رأيتَ الناس يتصارعون لشراء تموينٍ كبيرٍ احتياطاً للظروف التي قد تجعل السلع الضرورية غير متوافرة، و لنفترض أنك مثلي تكره مثل تلك الأفعال لأنها تتسبب في نقصٍ حادٍ في المواد الأساسية فلا يجدها كثيرٌ من الناس في أشد الحاجة لها، بينما هي مكدسةٌ بلا نفعٍ لدي آخرين !
فلنفترض أن مثل هذا الموقف قد وقع: فماذا سيكون تصرفك ساعتها ؟

أظن أنك ستكون مضطراً لفعل نفس الشيء الذي تبغضه للغاية، ليس لأنك أصبحت تحبه أو مقتنعاً به فجأةً، بل لأنك ستخاف علي أولادك و أهل بيتك من النقص الحاد الذي تعلم يقيناً أنه سيأتي لا محالة، و لو أنك اكتفيتَ اليوم باحتياجاتك الأساسية فقط (كما يجدر بأصحاب القلوب الواعية أن يفعلوا) فربما لا تجد تلك الاحتياجات حينما تبحث عنها في الغد !

هذا سيءٌ جداً و لكنه الواقع بكل أسف، و الحل الوحيد الذي ستحافظ به علي ماء وجهك أمام الله تعالي و أمام نفسك هو ألا تبخل علي الآخرين بما هو عندك، فلو وجدتَ أحداً يحتاج إلي بعضٍ مما عندك فـ"يجب" أن تعطيه ما يحتاجه عن طيب نفس بدون مغالاةٍ أو زيادةٍ في الأسعار، بل و كلما زاد الرصيد الذي عندك كلما زادت مسئوليتك من حيث البحث عن المحتاجين و مساعدتهم، و إلا صرتَ وغداً لا يختلف في شيءٍ من الأشياء عمن يؤمنون بالمبدأ الجاهلي "أنا و من بعدي الطوفان".

مثالٌ آخرٌ لسيطرة ثقافة القطيع هو ما نراه في حالتي أنا الشخصية؛ حيث أنني كنتُ قد فكرتُ قديماً في إنشاء مدونة أخبار تقنية تغطي آخر التقدمات التي تُطرَح في مجال "المُترجِمات compilers" و "المُفسِّرات interpreters" و ربما ما يتعدي ذلك مما يشبهه من تقنياتٍ برمجية (هذا هو المجال الذي أتخصص فيه حالياً)، كإثباتٍ عمليٍ لإيماني بأن مجال الأخبار التقنية أوسع بكثيرٍ جداً من مجرد أخبار الشركات التقنية الكبري و مواصفات الهواتف الجديدة، و كمحاولةٍ مني لزيادة الاهتمام بهذا المجال الغاية في الأهمية من علم الحوسبة.

و لكن ما أوقفني هو أنني لم (و لا) أتوقع أي لون من ألوان الاهتمام بمثل هذه الأمور من الجمهور التقني العربي (أو علي الأقل سيكون الاهتمام من جانب فئة صغيرة للغاية عددياً، و غير متفرغة في الغالب لتعطيك الإحساس بأن هناك من يتابعك بشغف)، بينما أخبار الشركات و الأجهزة الجديدة هي الرائجة، و هي التي ستجعلك تري مردوداً جيداً (علي الأقل من ناحية عدد الزيارات) لقاء ما تبذله من جهد في المدي الذي يمكن لمرارتك البشرية احتماله.

و بما أن مجهودي مُوزَّعٌ في الأصل علي العديد من الأمور المُنهِكة لي عقلياً (مقالاتي الفكرية، و مقالاتي العلمية، و مشروع "البرمجة بإبداع") فقد فضَّلتُ حَصْر المجهود الذي أبذله في المقالات العلمية علي مدونتي العلمية العامة (و التي لا أكتب فيها  إلا مقالات علمية صرفة بدون أي نوعٍ من أنواع الأخبار)، و زيادةً في جذب الآخرين للمقالات العلمية المتخصصة: جعلتُ المدونة العلمية منفردةً عن الشخصية (بعد أنا كانا مدونةً واحدة أكتب فيها مقالاتي الشخصية و العلمية بدون تفرقة)؛ 

و هذا حتي لا أُجبِر أحداً علي قراءة مقالاتي الفكرية إن كان يختلف معي في الدين أو المذهب أو المنهج و يريد متابعة مقالاتي العلمية فقط، و بالتالي يجد القدرة علي متابعة المقالات العلمية علي المدونة الخاصة بها بدون تصديع رأسه بالبقية التي يختلف معي فيها.
و رغم ذلك وجدتُ أن زيارات مدونتي الشخصية (التي أكتب فيها الكثير من المقالات الدينية و السياسية و الفكرية التي ترشحني ليكرهني أكبر عدد ممكن من البشر) أكثر من عدد زيارات المدونة العلمية الصرفة !، و كأن الناس كانت تشكو من المقالات العلمية لا الفكرية، و كأنني حينما جعلتُ المدونة الواحدة مدونتين أرحتُ الناس من المقالات العلمية التي كانت تصدعهم !،  

في النهاية يلزمني تأكيد أنه ليست الغاية  من هذا المقال تبرير الانسياق وراء ثقافة القطيع بكل ما فيها من خبال، بل الهدف الرئيس هو إثبات أن الوسط المحيط بك له تأثيرٌ كبيرٌ علي تصرفاتك الشخصية، و ربما يعتصر ذراعك و يجبرك علي فعل أشياء بدلاً من أشياء أخري.
و المهارة هنا أن تُوازِن بين ما تريده و بين ما يُجبرك الوضع القائم عليه، فإن كانت الموازنة تجوز في موازين الشرع ثم العقل فبها و نعمت، أما إن كانت لا تجوز في أحدهما (و علي الأخص الميزان الشرعي) فاعلم أنها الفتنة أتتك تجرجر أذيالها، و لا مفر من الصبر علي البلاء و احتساب الأجر في ذلك عند الله تعالي.


----------------------
* يمكن مراجعة مقالَيَّ عن "كلام الناس" علي الروابط:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.