السبت، 21 ديسمبر، 2013

ضحالة منهجية (7)

أول علامة تعرف بها الذين لم يُحصِّلوا شيئاً من علم "أصول الفقه" هي: أن يرفض الاستماع لما تقوله عندما تنتقد شيئاً مما قاله أحد الذين يَنقاد لهم و يقلدهم، و أن يقول لك "من أنت حتي تُراجع هؤلاء العلماء الكبار ؟!" حتي و إن كانت أقوال أولئك العلماء الكبار تضاد كلام الله تعالي و كلام نبيه صلوات الله و سلامه عليه بكل وضوح !،
هذه البدعة المفتراة التي يرتمي في أحضانها كثيرٌ ممن يجتهدون في الالتزام بأحكام الله تعالي تُخالف مبدأ قبول الحق مهما كان قائله؛ فإن الرأي له القوة و السلطة ما دام قائماً علي الدليل و البرهان الصحيحين، و ساعتها لا يجوز لأحد أن يترك الحق لما يراه من عيبٍ أو نقصٍ في آلة الاجتهاد عند قائله، بل و لا يصح ترك الحق حتي و إن كان قائله كافراً ابن كافر؛ فحينها يجب عليك أن تنظر "هل يوافق قوله القرآن و السنة أم لا": فإن وافقهما فهو الصواب مهما كان فساد عقيدة قائله، و إن خالفهما فهو الباطل مهما كان علو مقام ذلك القائل.


و الدليل علي ما فات هو ما حدث مع رسول الله صلي الله عليه و سلم حينما أتاه أحد اليهود، فيُروي عَنْ قُتَيْلَةَ بِنْتِ صَيْفِيٍّ الْجُهَنِيَّةِ أَنَّهَا قَالَتْ: 
أَتَى حَبْرٌ مِنَ الْأَحْبَارِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: { يَا مُحَمَّدُ، نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ، لَوْلَا أَنَّكُمْ تُشْرِكُونَ}، قَالَ: {سُبْحَانَ اللهِ، وَ مَا ذَاكَ؟ }، قَالَ: { تَقُولُونَ إِذَا حَلَفْتُمْ "وَ الْكَعْبَةِ" }، قَالَتْ: فَأَمْهَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ: { إِنَّهُ قَدْ قَالَ، فَمَنْ حَلَفَ فَلْيَحْلِفْ بِـ"رَبِّ الْكَعْبَةِ" }، ثُمَّ قَالَ: { يَا مُحَمَّدُ، نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ، لَوْلَا أَنَّكُمْ تَجْعَلُونَ لِلَّهِ نِدًّا }، قَالَ: { سُبْحَانَ اللهِ، وَ مَا ذَاكَ ؟ }، قَالَ: { تَقُولُونَ "مَا شَاءَ اللهُ وَ شِئْتَ" }، قَالَ: فَأَمْهَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ: { إِنَّهُ قَدْ قَالَ، فَمَنْ قَالَ مَا شَاءَ اللهُ فَلْيَفْصِلْ بَيْنَهُمَا "ثُمَّ شِئْتَ" } *.

تخيلوا معي ذلك الموقف: يهوديٌ (و اليهود مِن ألعن طوائف المشركين إن لم يكونوا ألعنها علي الإطلاق) يأتي لرسول الله -صلي الله عليه و سلم- (و هو الرسول الخاتم الكامل المُكمَّل في خَلقة و خُلقه و عقله، و الذي يأتيه الخبر من السماء بالحق الناصع الساطع الذي تخضع له رقاب المخلوقين) ليخبره ببعض المخالفات الشرعية التي يقع فيها نفرٌ من المسلمين (أغلب ظني أنهم من حديثي العهد بالإسلام، و بالتالي لم يتعلموا كل أحكام الدين)، فماذا سيكون رد فعل رسول الله صلي الله عليه و سلم لو أن قاعدة "لا يجب اتباع الحق إلا إذا أتي من عالمٍ جليل" ؟، ساعتها لم يكن الرسول الكريم ليأخذ الحق من أي شخص أصلاً؛ لأن الجميع بالمقارنة به (عليه السلام) ليس لهم وزنٌ أو قيمة، بل إنه لو رفع أحد الصحابة صوته فوق صوت النبي لحبط عمل الصحابي مباشرةً، فبالتالي فإن المقارنة في حد ذاتها لونٌ من الهزل الواضح.

لكن الرسول الكريم لم يتبع تلك القاعدة المُبتدَعة، بل صمتَ عليه السلام قليلاً و فكَر فيما قاله اليهودي، فانتبه إلي أنه بالفعل هناك مَن قد يصدر منهم ذلك الفعل المنافي للتعاليم الإسلامية؛ لجهلهم بتلك التعاليم، فأوضَحَ لمن حوله صحة قول اليهودي و أمرهم بفعل ما يسير وفق تعاليم الإسلام، و لكن الغريب أن اليهودي لم يكتف بهذا، بل زاد عليه توضيح خطأ آخر يقع فيه من لم يتفقهوا في تعاليم الدين بعد، و هكذا وجدنا النبي الكريم يفعل ذات الشيء مرةً أخري: يفكر قليلاً ثم حينما يتضح له صحة ما يزعمه اليهودي ينبِّه مَن حوله إلي صحة القول و مخالفة الفعل لتعاليم الإسلام، و يبين لهم الفعل الصحيح.

ثم هناك موقف رسول الله موسى عليه السلام حينما أقر بالحق الذي ذكره واحدٌ من أكبر أعداء رب العزة جل و علا في زمنه (إن لم يكن هو الأكبر ساعتها)، و أعني به اللعين "فرعون"، الذي قال لموسي عليه السلام: { أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَ لَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَ فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَ أَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } (سورة الشعراء)، أي أنه يُذكِّر موسي عليه السلام بقتله لأحد المصريين (و كان القتل عن طريق الخطأ غير المتعمد)، فهل احتد موسي عليه الصلاة و السلام علي عدو الله الذي استباح الدماء و استهان بدين الله تعالي و صرخ في وجهه: "من أنت حتي تُصحح لي أفعالي أيها الكافر اللعين، ثم إننا نتحدث في موضوعٍ آخر فلا تخلط الأمور" ؟
كلا؛
بل قال بكل تواضعٍ للحق: { فَعَلْتُهَا إِذًا وَ أَنَا مِنَ الضَّالِّينَ }، ثم أكمل دعوته لدين الله تعالي غاضاً النظر تماماً عن حَيْدة فرعون عن موضوع نقاشهما الأصلي و محاولته التدليس علي من حولهم (و ربما علي نفسه قبلهم).

و كذلك هناك حادثة أبي هريرة (رضوان الله عليه) التي يحكيها فيقول **:
{ وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ وَ قُلْتُ: "وَ اللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، قَالَ: "إِنِّي مُحْتَاجٌ وَ عَلَيَّ عِيَالٌ وَ لِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ"، قَالَ فَخَلَّيْتُ عَنْهُ. فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ: مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ ؟"، قَالَ قُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَ عِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ"، قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَ سَيَعُودُ". فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ سَيَعُودُ.
فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: "لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ"، قَالَ: "دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَ عَلَيَّ عِيَالٌ، لَا أَعُودُ"، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ  فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ ؟"، قُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ"، قَالَ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَ سَيَعُودُ".
فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ فَجَاءَ يَحْثُو مِنْ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: "لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَ هَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ"، قَالَ: "دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا"، قُلْتُ: "مَا هُوَ؟"، قَالَ: "إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ؛ فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَ لَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ"، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ.
فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ ؟" قُلْتُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ"، قَالَ: "مَا هِيَ ؟" قُلْتُ: "قَالَ لِي إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَقَالَ لِي لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ"، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَ هُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟"، قَالَ: "لَا"، قَالَ: "ذَاكَ شَيْطَانٌ" }.
فتأملوا كيف يكون قبول الحق حتي و إن جاء من فم شيطانٍ رجيمٍ الكذب عنده عادة.

***
و قد سار علماء الإسلام علي نفس الدرب النبوي القويم، فنجد أن الشافعي رحمة الله عليه يقول: "ما ناظَرْتُ أحدًا إلاّ أحببتُ أن يُظهِرَ الله الحقَّ على لسانه"، و حينما سُئل "الفُضَيْل بن عِيَاض" رحمه الله عن التواضع قال: "يخضع للحق و ينقاد له، و يقبله ممن قاله".
و قال أبو جعفر محمد بن أبي حاتم الوَرَّاق النَّحْوي -وَرَّاق الإمام البخاري- : { قلتُ لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: "كيف كان بدء أمرك في طلب الحديث ؟"، قال: "أُلهِمْتُ حفظ الحديث و أنا في الكُتَّاب". قال: "و كم أتى عليك إذ ذاك؟"، قال: "عشر سنين أو أقل، ثم خرجتُ من الكُتَّاب بعد العشر، فجعلتُ أختلف إلى الداخلي و غيره. و قال يوماً فيما كان يقرأ على الناس "سفيان عن أبي الزبير عن إبراهيم" فقلت له "يا أبا فلان إن أبا الزبير لم يرو عن إبراهيم" فانتهرني، فقلتُ له "ارجع إلى الأصل إن كان عندك"، فدخل و نظر فيه ثم خرج فقال لي "كيف هو ياغلام ؟" قلتُ "هو الزبير بن عدي عن إبراهيم"، فأخذ القلم مني و أحكم كتابه فقال "صدقتَ". فقال له بعض أصحابه: "ابن كم كنتَ إذ رددتَ عليه ؟" فقال: "ابن إحدى عشرة". }.

و مثل هذا ما قاله محمد بن عمار الموصلي و هو يحكي عن نفسه قائلاً: "رَددتُ على المعافا بن عمران حرفاً في الحديث فسكت، فلما كان الغد جلس في مجلسه من قبل أن يحدث و قال: "إن الحديث كما قال الغلام"، قال ابن عمار: "وكنتُ حينئذٍ غلاماً أمرد، ما في لحيتي أي شعرة"، فانظروا يرحمكم الله إلي الفتيين الصغيرين و هما يردان علي الشيخين الكبيرين (اللذين يحدثان الطلبة) و يصححان لهما أخطاءهما التي وقعا فيها، ثم إلي الشيخين و هما يرجعان عن أخطائهما تلك إلي ما وجداه صواباً في كلام الصغيرين !.

***
كل ما فات هو اتباعٌ لما وصف الله تعالي به أخلاق المؤمنين عند سماع الحق، فقد قال سبحانه و تعالي: { الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَ أُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ }(سورة الزُّمَر)، و حتي لو كان القول مصدره فاسقٌ من الفساق فإن الفعل الطبعي للمؤمنين ساعتها أن يتأكدوا من صحة ذلك القول من خطئه؛ لِما أمر به الله تبارك و تعالي في قوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ } ( سورة الحجرات).

فقارنوا ما أوردتُه من ردود فعل الأنبياء تجاه بعض الكافرين (بل تجاه قول أحد شياطين الجن)، و أفعال مَن سار علي الهدي النبوي من الصالحين تجاه بعض الصبية، و الممتلئة بالتواضع للحق مهما كان مصدره، بالعجرفة التي يجابهك بها أصحاب "مَن أنت أيها الجاهل لتعترض علي أقوال الجهابذة ؟"؛ لتعلموا أن الكثيرين بيننا يغوصون في الضحالة المنهجية إلي الآذان؛ لإهمالهم تعلم الأصول التي تحكم الفكر و تضبط الفروع، و الإغراق في تعلم الفروع إلي الأذنين تقليداً لمن يعظمونهم، مع التسخيف الشنيع لمن يخالفهم و رميه بالجهل و قلة العلم.

و إلي الله المُشتكَي.


-------------------
* للاستزادة حول هذا الحديث و الردود علي الشبهة التي تدور حوله يمكن قراءة النقاش الموجود علي الرابط:
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=284891

** أورده الإمام البخاري رحمة الله عليه في صحيحه، و للاستزادة حول هذا الحديث يمكن قراءة النقاش الموجود علي الرابط:
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=234020

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.