الأربعاء، 18 ديسمبر، 2013

قصتي مع التدوين

قلتُ من قبل أن التدوين بالنسبة لي هو أسلوب حياة و ضرورةٌ لا بد منها، و أظن أنه لو لم يكن هناك ما يُسمي بالتدوين في هذه الفترة لاخترعتُه اختراعاً !، و ليس الأمر عجيباً إذا نظرنا إلي أن بدايتي مع الكتابة أتت منذ أن كنتُ في الصف الأول الابتدائي؛ حيث اعتدتُ منذ ساعتها علي أن أحتفظ  بدفترٍ كبير أكتب فيه ما كنتُ أظنه دُرَّاَ منثورا، و بعدها بدأتُ مرحلة كتابة القصص الطويلة و عمل أغلفةٍ لها بنفسي، و كذلك كتابة سيناريوهات أفلام ثم تأليف الكتب !


ثم كانت تأتي الإجازة الصيفية ليبدأ المرح الحقيقي؛ فساعتها كنتُ أتفرغ تماماً للنادي الصيفي في المدرسة الابتدائية القريبة من منزلي، و كنتُ أستولي علي مكتبتها بوضع اليد، صحيحٌ أن الأساتذة كانوا يحعلونني مشرفاً عليها لكن حتي لو لم يكونوا يفعلون فكنتُ سأحتلها رغم أنوفهم !،
و كان من أحب الأشياء إلي قلبي في النادي الصيفي أن أتباري أنا و أحد معارفي في تلخيص الكتب العلمية، فيأخذ كل واحدٍ منا كتاباً علمياً سميكاً (من الكتب التي تيسر العلوم علي الأطفال بطبيعة الحال، و التي تمتليء بالرسوم التوضيحية الجميلة زاهية الألوان) ليلخصه في كشكولٍ خاص به (و قد أفادني هذا بشدة فيما بعد في مشواري في التحصيل العلمي بحمد الله تعالي، حيث جعلني أعتاد علي قراءة كمياتٍ كبيرةٍ و لفتراتٍ طويلة، كما جعلني أعتاد علي تلخيص كل ما أتعلمه و أجده مفيداً).

الشاهد من كل ما ذكرتُه بالأعلي أنني لم أنقطع في مرحلةٍ من مراحل عمري عن القراءة و الكتابة، و بالتالي فقد صار التطور الطبعي بالنسبة لي أن أحترف التدوين و أن يجري في عروقي مجري الدم، و صارت الكتابة بالنسبة لي إدماناً بالمعني الحرفي للكلمة، لدرجة أنني أقوم بالاحتفاظ بكل ما أكتبه، حتي و إن كان مجرد عنوان يختصر فكرةً طافت ببالي علي حين سهوة و لم يكن بمقدوري التفرغ لكتابتها في وقتها، بل و حتي إن كان تعليقاً صغيراً لي علي تدوينةٍ أو منشورٍ أعجبني علي الـfacebook ... إلخ !؛
فربما أجد أن هذا التعليق يفتح لي باب الحديث في موضوعٍ أجده هاماً في يومٍ آخر، أو ربما أجد أن بعض التعليقات و الفقرات المكتوبات في أوقات متفرقة تتحدث عن موضوعٍ واحد، فساعتها أقوم بسبكهن في مقال واحد. و قد عدتُ إلي ملخصاتي في أيام الكلية لأبحث فيهن عما يمكن إعادة صياغته و كتابته في مقالاتي العلمية، فوجدتُ مجموعةً من الأوراق التي كنتُ قد شرحتُ فيها لزملائي نمط البرمجة الكائنية oop في مادة الـjava، فنشرتها كمقالٍ طويلٍ ثم ككتيب فيما بعد.

كل هذا التعود علي جو القراءة و الكتابة (بل و الإسراف فيهن إلي حد الجنون) منذ الصغر جعل من اليسير جداً عندي العثور علي الأفكار التي أكتب عنها؛ فالدنيا مليئة بما يمكن أن أكتب عنه، و مسودات مقالاتي اللاتي أحتفظ بهن بلغن حتي الآن ما يزيد علي المئة مسودة، يتنوعن بين ما لا يحتوي إلا علي مجرد العنوان إلي ما يحتوي علي فقرات عديدة، و منهن ما اكتمل و بقي إضافة بعض الرتوش له ليمكن نشره. لكن المشكلة الأكبر التي تواجهني هي التفرغ؛ فما لدي من انشغالات قادر علي التهام كل وقتي، حتي و إن تفرغتُ و لم أتزوج أو أعمل أو أخرج إلي الشارع أصلاً (تقريباً هذه هي حالتي الراهنة، فأنا عاطل عن العمل هذه الأيام و غير اجتماعي).

المشكلة الأخري و الأكثر خطراً فيما أري هي فقدان الهمة و مشاعر اليأس و الإحباط التي تسيطر علي الواحد منا، و التي تتولد عادةً كنتيجةٍ لذلك الشعور السخيف بأنك "تحرث ماءً في بحر"، و هو ما يُراودك حينما تري أن المقالات اللاتي تبذل الجهد و الفكر فيهن لا يقرأهن إلا أقل القليل، و تزداد الأمور سخافةً حينما تجد أن الآخرين لا يُهملون ما تكتبه لانشغالهم بما هو أفضل منه من معالي الأمور، بل إن جل حياتهم محصورٌ في سفاسف الأمور ! و إلي الله المُشتكَي.
و الدواء الوحيد الذي أراه لهذه النقطة هو ما صحَّ عن سيدنا "ابن عباس" رضوان الله عليهما: { لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: "إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَ إِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا"، وَ لَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَ إِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا } *، و بالتالي علي الإنسان أن يكتب ما يمكن أن يفيد به الناس بغض النظر عن الثقافة السائدة بينهم.

و بالعودة إلي حبي للتدوين فسنجد أن مِن أكثر الأشياء التي أتمناها أن تشيع بين معاشر المسلمين: أن يُدوِّن كل واحد منهم عن مجال تخصصه و الأشياء الجديدة التي يتعلمها فيه بين فترةٍ و أخري؛ فالمشكلة الكبري بالنسبة لنا أن الكثيرين منا يقولون أن ما يعرفونه ليس مهماً للآخرين، بينما ربما يكون الآخرين في أمس الحاجة لمعرفة ما لديه، و حينما يقوم بوضع الجديد الذي يتعلمه كل فترة فإنه يوفر علي أولئك الآخرين وقتاً و جهداً في التجربة و الخطأ، و في النهاية يبقي ما كتبه مفيداً له ليراجعه متي ما احتاج لمراجعته، و في البدء و المنتهي هو علمٌ نافعٌ يزيد من حسناته في حياته و بعد مماته (إن أخلص النية). و بعضنا للأسف يبخل عن الناس بما عنده من علم !، و المسكين لا يدري أنه إنما يبخل عن نفسه في الدنيا و الآخرة؛ لما رواه أبو هريرة رضوان الله عليه أن رسول الله صلي الله عليه و سلم قال: { إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ } (رواه مسلم في صحيحه **).

و قد راسلتُ مَن أري فيهم الذكاء و العلم و القدرة علي التدوين من أصدقائي لأحثهم علي فعل ذلك؛ بسبب إخلاصهم في عملهم و ذكائهم و خبرتهم التي تتراكم يوماً وراء يوم (بارك الله لهم في معارفهم و عقولهم و أعمالهم)، و قلتُ لأحدهم في نهاية الرسالة أنني لا أريد منه أن يقوم بكتابة مقالات طويلة كل يومين، بل إنه لو قام بكتابة فقرة أو فقرتين في مسودة المقال الجديد كل أسبوع، ليتمه وينشره بعد أشهرٍ فإن هذا خير و بركة؛ فالمهم في النهاية أن يضع ما يتعلمه في فائدة المسلمين. 


-----------------------------
* ما أعلمه أن هذا الأثر قد صَحَّ موقوفاً علي "ابن عباس" رضوان الله عليهما، و لم يصح عن رسول الله صلي الله عليه و سلم. و للمزيد من المعلومات عن تخريج أسانيد و طرق الأثر يُرجي قراءة ما علي الرابط:
و الرابط:

** كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته.

هناك تعليقان (2):

  1. تدوينة جميلة. ذكرتنى بعض الشئ بطفولتى ومراهقتى, كان لدى نفس هذا النهم للقراءة والتعلم. بالطبع أختلفت الأمور بعض الشئ بعد ذلك.

    ردحذف
  2. تقريباً كل الأطفال يمكن تعويدهم علي القراءة و الكتابة إذا اتبعنا الطرق السليمة لذلك، لكن المشكلة في كثرة الانشغالات و المسئوليات عندما يكبرون، فيصبح التحصيل العلمي ساعتها ثقيل الوطء جداً علي الكثيرين منهم.

    ردحذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.