الاثنين، 10 مارس، 2014

الإنسان المسمار

قد يحدث في الكثير من الأحيان أن تكون قد فكرتَ في أمر من الأمور لعدة سنين (أو علي الأقل لعدة أشهر، المهم أنك قد فكرتَ في الأمر لمدة طويلة للغاية)، و قلَّبتَ في ذهنك معظم وجهات النظر المختلفة فيه (إن لم يكن كلها)، لتقتنع برأي معين اعتماداً علي ما رأيتَه من الأدلة و البراهين الصحيحة. ثم يأتي أحدهم و يسمع عن ذلك الموضوع لأول مرة، و بعد تفكير بسيط لمدة نصف ساعة أو أقل يحاول أن يناقشك ليجعلك تغير وجهة نظرك (التي تراها الأصح بعد فترة طويلة من التفكير، و بناءً علي الأدلة و البراهين)، و حينما تبتسم ببساطة لأنك تعلم رأيه قبل أن يفكر هو نفسه فيه، و تحاول أن تفهمه أن كلامه ليس بالجديد علي مسامعك و أنك فكرتَ فيه من قبل بكثرة و لم تقتنع به، تجده يقوم برميك بالعناد و الإصرار علي الخطأ !
 

هل وصلتكم الصورة ؟
أنت قد فكرتَ في الكلام الذي قاله لمدة طويلة، و أعطيتَه حقه من التفكير و المراجعة و الاحتكام للدليل و المنطق و البرهان، و بعد ذلك ناقشتَ الطرف الآخر في المناقشة بعقلانية و هدوء محاولاً استخلاص أي معلومة جديدة قد يعطيك إياها و يمكنها أن تغير وجهة نظرك، و حينما وجدتَ أنه لم يأتِ بجديد تصرفتَ بلياقة و حاولتَ وضع الأمور في نصابها علي أنها "اختلاف لا يُفسِد للود قضية"، أو علي الأقل حاولتَ الانسحاب بدون إثارة أي ضغائن في النفوس إن كان الموضوع حساساً و مما يثير أمثال تلك الضغائن. فقط لتُفاجَأ أنه هو الذي يرد عليك بعصبية و يحاول رميك بالعناد و الإصرار علي الخطأ !
 
يا بؤبؤ عيني !
في مثل هذه المواقف لو كان يجب إلقاء تهمة العناد علي أحدهم فسيكون في الأغلبية الساحقة من المواقف هو ذلك الطرف الذي لم يُعط الموضوع حقه من التفكير المتمعِّن و الوقت الكافي، و لا أعطي النقاش حقه من الموضوعية و حسن الأدب في التعامل. و لا حتي أعطاك أنت الفرصة للانسحاب الهاديء حفاظاً علي روح النقاش الذي يهدف للوصول للحق بالدليل و البرهان !
 
هذا النوع من الناس أُطلِق عليه وصف "الإنسان المسمار" أو "المِسْمارِي"؛ لأنه يعطيك نفس الإحساس الذي يعطيه لك وجود مسامير حديدية متناثرة من حولك، من عدم الراحة و القلق من أن تتعامل معها بدون حذر فتؤذيك. و من تعاملي معهم فهم قادرون علي إيذائك نفسياً و "العكننة" عليك كأفضل ما يكون، علي الرغم من أنهم قد يكونون من ضمن قائمة أصدقائك المقربين !، و في تلك الحالة يكون الألم الناتج عن أسلوبهم في التعامل أشد مما لو كانوا لا يشكلون لك فارقاً يُذكَر؛ ففي الحالة الأخيرة يمكنك أن تُهمل ما يقولونه بمجرد القيام من مجلسهم أو إنهاء المكاملة الهاتفية معهم، كما أنك لا تُكن لهم محبة قلبية معينة، و هكذا يصير من السهل تجاهلهم و إسقاطهم من حساباتك و لو بعد فترة بسيطة.
 
أنا علي سبيل المثال أتفهم أن هناك الكثيرين ممن ينظرون إلي أحلامي و طموحاتي علي أنها "كلام فارغ" و إضاعة للوقت و الجهد؛ و هذا في معظم الأحوال لا يهمني و لا أعبأ به من الأساس، إما للاختلاف المنهجي بيني و بينهم، أو سيراً علي قول الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه لأبي سعيد الواسطي رحمه الله: "إن كان هذا عقلك فقد استرحتَ" (و ذلك حينما حاول إثناءه عن إصراره علي الجهر بالحق في فتنة خلق القرآن).
إنما المؤلم جداً هو إظهار بعض المقربين مني الاستخفاف بتلك الأحلام و الطموحات أمامي، و كثرة الدندنة حول هذه النقطة، و عدم اقتناع هؤلاء بأن هذا الأسلوب لا يجعلني أحس بأنهم يحرصون علي مصلحتي، بل يجعلني أحس أنهم يتعمدون الحط من همتي و/أو مقداري تعمداً، و أصبح قلبي ينفر من مجالستهم بسبب عدم مراعاتهم لهذه الجزئية الواضحة !
 
في رأيي فإن الحل الأول للتعامل مع الأصدقاء المسماريين هو أن تصبر و تحتسب، و تحاول أن تجعلهم يُحسون بخطر ما يفعلونه علي علاقتكم، و بتلميحات بسيطة أو متوسطة القوة يمكنك أن تجعلهم يحسون أن أسلوبهم معك ينفرك منهم و يهدد بخسارتهم لمكانتهم عندك علي المدي البعيد.
فإن كانوا من الصنف العاقل فسيغيرون من أسلوبهم و لو بشكل تدريجي خفيف، أما إن كانوا من النوع الأحمق أو المتحامق و استمروا في العناد ضاربين عرض الحائط بمشاعرك و صداقتكم فإن آخر العلاج هو الكي، و أنصحك في مثل هذه الحالات بالتقليل من الاحتكاك معهم قدر الإمكان، و أن تبتعد عنهم رويداً رويداً حفاظاً علي ما تبقي من صداقة بينكم،
و في الأوقات التي تلتقون فيها (و التي يجب أن تحرص علي تقليلها) يجب أن تبتعد قدر الإمكان عن فتح أي موضوع قد يستغله صديقك المسماري في جرحك، صحيحٌ أن هذا قد يعني أنكما ستظلان جالسين كالأصنام لفترات طويلة بدون أن تتحدثا، لكن صدقني أن هذا أفضل لمرارتك البشرية المسكينة علي المدي البعيد، كما أن الحفاظ علي المقدار المتبقي من المحبة بينكما مهما كان قليلاً أفضل من خسارته كله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.