الثلاثاء، 25 مارس، 2014

عقدة "إياس"

معظم الذين ناقشتُهم و انتقدوا أموراً علمية و/أو غير علمية في مشروع "البرمجة بإبداع" اتضح لي من النقاش معهم أنهم لم يولوا الأمر اهتماماً كبيراً، و أن جل ما فعلوه هو قراءة القليل عن المشروع من كتاب "رسالة البرمجة إبداع" و/أو المدونة الرسمية للمشروع، و أنهم حينما يناقشونني فإن أغلبهم يفعل ذلك بكثير من الاستخفاف، علي طريقة "اعقل يا ابني و فكك من الدور اللي انت عايش فيه دا" !، و هي كما ترون ليست الطريقة المثالية لبدء نقاش علمي حقيقي يستند إلي العقل و الأدلة و البراهين، و حينما يبدأ أحد النقاشات بها فإن الخاتمة لا تكون سوي الهمز و اللمز من كل طرف من الأطراف للطرف الآخر !. و سأكون صريحاً و أخبركم أن المشكلة الكبري هي أنني صغير السن للغاية في أعين هؤلاء، و أنه بالنسبة لهم فإن صغر السن هو مرادف تام لقلة العلم و الخبرة، و أنه يعني أنك مخطئ دائماً و أبداً بدون حتي الحاجة لسماع أدلتك و براهينك !


و رغم أنه من الصحيح أن ظهور أحد المتحمسين من صغار السن ليزعم أنه أتي بجديد في علم من العلوم العويصة هو أمر في غاية الصعوبة من ناحية تقبله و من ناحية صحته، و أنه في الأغلبية الساحقة من الأحيان يؤدي إلي مغص في المعدة بسبب مخالفة واقع الحال لما يزعمه صغير السن، إلا أن العقل السليم يقول أنه في مثل هذه المواقف لا بد من إغفال كل الأمور الجانبية من صغر السن و ضعف الإمكانيات، و التركيز علي الأدلة و البراهين النظرية و العملية (و التي -عن نفسي- أسهبتُ في شرحها في أكثر من محل، و وضعتُ فيها من الجهد و الوقت ما لا يعلمه إلا الله تعالي)؛ ففي النهاية قد يكون الأمر كما قالت العرب "قد تَسبِق العرجاء"، أو كما تقول القاعدة الشرعية الذهبية "قد يُدرِك المفضول ما لا يُدرِكه الفاضل"!، و يظل في النهاية هناك احتمال (و لو كان ضعيفاً) أن يكون ذلك الصغير صادقاً فيما يزعمه، و أن يكون بالفعل قد أعطي الأمر حقه من التفكير و التمعن، و الترجيح المعتمد علي الأدلة و البراهين، علي الرغم من صغر سنه و ضعف الإمكانيات المتاحة له.

أو ربما علي الأقل تكون مهارته الرئيسة ليست في تفوقه علي الآخرين من حيث الذكاء أو العلم، بل في كونه ينظر إلي الأمور من وجهة نظر تختلف عن وجهات نظرهم فيري ما لا يرون رغم الفارق الكبير في الذكاء و العلم و الخبرة لصالحهم !، و ساعتها سيكون من المجحف إهمال ما لا يستحق الإهمال، أو نقده بغير ميزان نقدنا للمشهور من الأشباه، لمجرد ما قد نظنه من ضعف آلة الاجتهاد عند صاحبه، و هو نقيض ما يجب علي الباحث عن الصواب فعله من إهمال كل شيء ما عدا الحق المؤيَّد بالدليل و البرهان، بغض النظر عن هوية القائل به و/أو عمره و/أو أي عامل آخر لا يدخل ضمن قائمة الأدلة و البراهين.

أنا عن نفسي أطلق علي هذه المشكلة اسم "عقدة إياس"؛ نسبةً إلي القاضي و التابعي "إياس بن معاوية المزني" رحمة الله عليه، و الذي كانت العرب تضرب به المثل في الذكاء *، لكنه كان يمر في صغره بمواقف يتم فيها الاستخفاف به بشدة، رغم ذكائه و رغم أن الحق في جانبه في تلك المواقف و ذلك لمجرد أنه صغير السن. و أسوق لكم هنا مثالين علي هذه المواقف التي يُروَي أنها حدثت له **:

يُحكَي أنه ذات مرة زار "عبدُ الملك بن مروان" البصرة قبل أنْ يُصبِح خليفة، فرأى إياساً و خلفه أربعة من القراء من ذوي اللحى بطيالستهم الخضر، و كان إياس يتقدَّمهم رغم أنه كان يومئذ فتًى يافعاً لم ينبت شاربه بعد !، فقال عبد الملك: "أُفٍّ لأصحاب هذه اللحى؛ أمَا فيهم شيخٌ يتقدَّمهم فقدَّموا هذا الغلام ؟!"، ثم التفت إلى إياس قائلاً: "يا غلام كم سنُّك ؟"، و هذا استخفاف منه بإياس لصغر سنه، فرد إياس رداً قاطعاً و قال: "أيها الأمير، سني -أطال بقاءَ الأمير- كسِنِّ أسامة بن زيد حين ولاَّه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم جيشاً فيهم أبو بكر و عمر"، و هكذا ذكَّره أن السن ليس بالعامل الذي تُبني عليه أمثال هذه الأحكام، و استدل علي ذلك بأثر عن رسول الله صلي الله عليه و سلم، فألقم عبد الملك حجراً لأنه لا يمكنه رد فعل من أفعال النبي صلوات الله و سلامه عليه. فقال له عبد الملك : "تقدَّم يا فتى تقدَّم، بارك الله فيك "، و هو التسليم منه بأن علم إياس و ذكاءه هما اللذان جعلاه المُقدَّم علي من هم أكبر منه سناً.

و يُحكَي كذلك أن إياس قدَّم شيخًا إلى قاضى دمشق لاختلافٍ بينهما في أمر من الأمور، و كان إياس يومئذ أيضاً غلامًا لم تنبت له شعرة في وجهه، فقال له القاضى: "ما تَستَحي؟ تُقدِّمُ شَيخاً كبيراً إلى القضاء؟"، و هذا أمر غريب من القاضي الذي يُفترَض به أن يأخذ جانب الحق مهما كان صاحبه، لا أن يُقيِّم الناس حسب أعمارهم و/أو ثرائهم و/أو أي عامل آخر لا يخص القضية في شيء. فقال إياس: "الحقُّ أكبرُ مِنهُ" و هو تنبيه واضحٌ للقاضي إلي ما ذكرناه سابقاً مما يُفترَض في القاضي من صفات.
قال القاضي: "ما أظُنُّكَ يا غُلامُ إلا ظالماً"، قال إياس: "ما على ظَنِّكَ خَرَجتُ مِن أهلي"، يعني أن القاضي يمكنه أن يظن ما يشاء بينما "إياس" ليس عليه أن يمشي في الدنيا حسب ظنون القاضي و عقله و اعتقاداته الشخصية، بل بعقله و اعتقاداته و تفكيره هو.
فقال القاضي محاولاً إغلاق باب النقاش من الأصل: "اسكت"، فقال إياس: "فَمَن يَنطِقُ بِحُجَّتي إذاً ؟"، أي كيف يكون هناك مناقشة حقيقية و عدل في الأحكام إذا صمتَ أحد المتخاصمين لأن القاضي يراه صغير السن قليل الخبرة، بينما من المفترض أن يقول كل واحد من المتخاصمين حججه و أدلته بمنتهي الحرية بغض النظر عن سنه.
فقال القاضي: "ما أظُنُّكَ تقول في مَجلِسكَ هذا حَقاً"، و هذا في قمة الاستخفاف بإياس؛ لأن القاضي رأي أنه حتي و إن نطق فإنه لن ينطق إلا بباطل!، بينما هو لا يعرف إياس من الأصل، فكيف حكم عليه مثل هذا الحكم المبدئي الجائر شديد التأثير في الحكم النهائي للقضية، و هو المفترض فيه أنه قاضٍ عادل يُعامِل الكل بنفس المعاملة و لا يُطلِق الأحكام إلا بعد أناةٍ و تمعن ؟!، فقال إياس رداً علي التهمة الزور: "أشهدُ أنّ لا إله إلا الله"، و هكذا قال قولاً لا يمكن للقاضي أن يقول أنه باطل و إلا خرج من الملة. و كان من المنطقي أنه حينما علم عبد الملك بن مروان بما حدث (و كان يومئذٍ قد أصبح الخليفة) قام بعزل ذلك القاضى و ولَّي إياس القضاء مكانه و هو يومئذ غلام *** !

***
أريد أن أؤكد في النهاية أنه ليس الهدف من وراء هذا المقال أن أقوم بتشبيه نفسي بالقاضي "إياس" رحمة الله عليه (كما قد يخطر علي بال البعض ممن يتصيدون الأخطاء تصيُّداً)، رغم محبتي له و أنني اخترتُ كنيتي "أبي إياس" نسبةً إليه. إلا أن الهدف هنا هو التأكيد علي مبدأ عام و هو أنه ينبغى علي المرء أن يتخلص من "عقدة إياس" قدر الإمكان، و أن يُذعِن للحق مهما كان قائله، و ألا يدخل في نقاش أو حوار إلا و قد تأكد أنه لن يلتفت إلا إلي الأدلة و البراهين، و أنه لن يشخصن الأمور و لن يضيع وقته و وقت الآخرين في الحديث حول أمور هامشية لا تتعلق بشكل مباشر بالموضوع محل النقاش.


---------------------
* من أشهر ما قيل في ذلك (إن لم يكن هو الأشهر) قول الشاعر أبي تمام مادحاً أحمد بن الخليفة المعتصم
إقدام عمروٍ في سماحة حاتم *** في حِلْم أَحْنَف في ذكاء إياس
** أنا هنا أسوق تلك المواقف رغم عدم تيقني مئة بالمئة من صحتها تاريخياً، و لكني أسوقها كتبرير للاسم الذي أطلقتُه علي ذلك المنهج الغريب في التفكير الذي ينتهجه كثيرٌ من الناس.
*** عن كتاب "المُستَجاد مِن فعلات الأجواد" للتنوخى، بتصرف واسع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.