الاثنين، 2 فبراير، 2015

العدد في الليمون

في مصر هناك مَثل شعبي يقول: "العدد في اللمون"، بمعني أنك لو أردت الحصول علي عدد كبير من سلعة معينة مقابل ثمن مادي بخس فستجد بغيتك في الليمون (بالطبع اخترعوا هذا المثل قبل أن يصيب الجنون أسعار الليمون نفسه في زمننا السعيد !).
 
و سبب حديثي عن هذه المقولة أنني اشتركتُ منذ فترة طويلة في موقع "خمسات" لتقديم خدمتين، إحداهما هي كتابة مقالات تقنية احترافية. و طلبتُ  عشرة دولارات مقابل كل مقال احترافي من ألف كلمة؛ نظير الموضوع الجيد و المفيد و المتكامل، و الكتابة التقنية الاحترافية مع التدقيق اللغوي المناسب.

و لكني فوجئت عند تصفح الموقع بأن العادي و الطبعي أن يطلب أحد العملاء الحصول علي عشرة مقالات مثلاً بخمس دولارات فقط !، بل و هناك من أوصل العدد لعشرين مقال حصري تشتمل علي صور !. و صار الأمر سباقاً يتنافس فيه مَن يقدمون عدداً أكبر من المقالات مقابل سعر أقل (و هم كثيرون بالمناسبة) !.


لذا فالسؤال المنطقي الذي يطرح نفسه: "بحق الله، أي نوع من أنواع المقالات الذي يكون عشرون منه بخمس دولارات فقط ؟!".
 

المفترض أن الكتابة الجيدة سلعة لها ثمنها الذي يجب أن يحرص صاحبها عليه، و المجهود الذي يبذله الكاتب التقني (أو غير التقني) في اختيار الموضوع الجيد، و في القراءة عنه بما يكفي لكتابة محتوي جيد، ثم في تنقيح كتاباته منطقياً و لغوياً، كل هذا يجب أن يكون له ثمنه المعقول (و لو علي قبيل الاحترام لمهنة الكتابة، و احترام نقل العلم و المعرفة)، أو أن يكون مجانياً بالكامل لأنه ساعتها سيكون تطوعاً لنقل العلم لكل الناس ابتغاءً لوجه الله تعالي، و هذا (من المفترض) أن يجعل قيمتها أكبر من أي مقابل مادي.

إنما أن يتم بيع المقالات مقابل ذلك السعر البخس فإنه يجعل الغثاء حتي الآذان؛ فلا تحاولوا إقناعي بأن من سيكتب عشرين مقالاً في يومين (نعم: في يومين) سيجعلهن قِطعاً من الفن الرفيع و الكتابة الساحرة، بل ستكون (قَطعاً و يقيناً) مما يسبب ألم المعدة. أما أن يكون الكاتب المسكين قد كتب الكثير من الموضوعات الجيدة من قبل ثم اضطرته الحاجة إلي بيعها بمثل هذا الثمن البخس فاحتمال شديد الندرة، و استثناء لا يمكن اتخاذه قاعدة.

أما إن كانت تلك المقالات من النوع الذي لا يتعدي عشرات الكلمات فقط، فإنني لا أعتبره من المقالات التقنية التي أتحدث عنها؛ فهذا النوع من الكتابات هو مجرد أخبار تقنية سريعة، و لا يمكن مقارنته بمقالات تقنية دسمة تقدم فوائد و آراء، و تحتاج إلي مجهود و وقت، فالأخبار التقنية في الغالب هي مجرد حكي بسيط و سريع لآخر المستجدات في عالم الشركات و الأجهزة. و لذلك لم أتحدث عن "الأخبار التقنية" بل عن "المقالات التقنية" حتي لا يحدث خلط بين الاثنين.

و أنا عن نفسي معتاد علي أن تكون لبعض مقالاتي مقدمة طويلة بعض الشيء، و الفقرة الواحدة في مقالاتي تأخذ علي الأقل مئة كلمة، و بالطبع فإن الفقرة الواحدة تتحدث في الغالب عن نقطة واحدة من ضمن نقاط المقال (إن لم تكن جزئية واحدة في نقطة واحدة!). و رغم أنني أقوم في بعض الأحيان بنشر مقتطفات من مسودات مقالاتي علي صفحتي علي الـfacebook في حدود فقرة أو فقرتين، إلا أنني لا أعتبر هذا مقالاً كاملاً بحال من الأحوال، بل هي مجرد خواطر سريعة يُمكن جمع ما يتفق منها في الموضوع و الأفكار فيما بعد لتعطي مقالاً جيد الحجم.

بل إنني في كثير من الأحيان أصاب بحالة من "الكتابة المفرطة"، التي تجعلني أكتب عن ذات الموضوع سلسلة من المقالات؛ لاهتمامي به و تدفق أفكاري عنه و وجود اطلاع مسبق لي علي ما يتعلق به. و علي سبيل المثال فقد نشرتُ أربع مقالات تقنية عن أزمة نزف القلب heartbleed و الدروس المستفادة منها، و لولا خوفي من أن يحس القراء بالملل من الحديث المُطوَّل عن نفس الأمر لكتبتُ عن ذات الموضوع علي الأقل 3 مقالات أخري !. لا أعلم إن كنتُ متطرفاً في هذه الجزئية أم لا، و لكن هذا ما اعتدتُ عليه حتي الآن و ما أراه منطقياً، و المهم ألا يكون في الكلام إطناب بلا فائدة، بل أن يكون الموضوع دسماً فيحتاج إلي مقال دسم يتناوله.


في النهاية: فإنه وسط كل ذلك الغثاء يصير من السهل للغاية أن يضيع المحتوي الجيد فلا نصل إليه إلا بعد جهد و عناء، و يصير عذاباً أليماً لمن يحرص علي إعطاء الكتابة حقها من الجهد أن يجد مقابلاً جيداً لقاء ما يكتبه، و هكذا نجد أن مواهب ممتازة تضيع لأن أصحابها يبحثون عن موارد أخري للرزق غير الكتابة التقنية، بسبب كون من ينطبق عليهم مقولة "العدد في اللمون" انتشروا لدرجة أنك لو فتحت براد الشاي فربما تجد أحدهم داخله يعرض عليك خدماته !.
 
و المفترض ألا يكون الأمر سباقاً بين من يقدمون عدداً أكبر بسعر أقل، بل بين من يقدمون خدمات أفضل مقابل نفس السعر "الجيد"؛ ليصير بإمكان أصحاب المواهب الاعتماد علي مواهبهم في الكسب، و بالتالي يكون بإمكانهم التفرغ و إثراء المحتوي العربي (في كل المجالات و ليس في التقنية فحسب). و هذا كما ترون في صالح الكُتاب و القراء و أصحاب المواقع.
 
 
------------------------------------------------------------------
تنبيه هام للغاية: أرجو ألا يؤخذ كلامي علي أنه انتقاص من موقع خمسات و/أو القائمين عليه و/أو مقدمي الخدمات و/أو طالبي الخدمات فيه؛ فأنا هنا أنتقد جزئية معينة فقط و لا أعمم الأمر علي الكل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.