الثلاثاء، 24 فبراير، 2015

بسيطة، لو توافرت الرغبة

في مرة من المرات التي ذهبتُ فيها لأحد المصالح الحكومية كانت الدنيا مزدحمة غاية الازدحام كالمعتاد، و كانت الموظفة المسكينة التي أقف على شباكها تواجه ثلاثة طوابير طويلة من الرجال و النساء يتقاتلون علي ذلك الشباك الذي تعمل عليه بمفردها !. و رغم رغبتها الفعلية في إنهاء كل الأوراق المطلوبة و تسهيل مصالح الناس، إلا أن الازدحام المبالغ فيه علي الشباك و تقاتل الناس عليه سببا لها الضيق الشديد، فطلبت ببساطة من الناس أن يقفوا في طابورين اثنين فقط، أحدهما من الرجال و الآخر من النساء.

المشكلة كانت أن طابورَيْ الرجال كانا ممتلئين، و لم يقبل أحد من الناس أن يتراجع بحيث يصير دوره الجديد في آخر ذيل الصف الجديد، و بما أن الجميع تسمر في مكانه و لم يرغب أحد في المبادرة و التضحية فقد رفضت الموظفة قبول أي أوراق جديدة حتي ننظم أنفسنا كما يليق. و رغم ذلك أيضاً لم يتحرك أحد بل بدأت المشاحنات تزداد بين الناس، و كل واحد فيهم يقول أن صفه هو الذي أتي أولاً و أن الصف الآخر لا بد أن يتراجع إلي المؤخرة !


و بما أنني كنتُ في واحد من الصفين فقد رغبتُ في أن أنتهي من هذه المهزلة بأسرع وقتٍ ممكن، لذلك طلبتُ من الواقفين في الصف الآخر أن يقوم كل واحد منهم بالوقوف وراء الشخص المناظر له في صفي، بحيث يصبح رقم 1 في الصف الآخر هو رقم 2 في الصف الجديد، و يصبح رقم 2 في القديم هو رقم 4 في الجديد ... إلخ، و هذا أفضل من أن يصبحوا رقم 23 و 24 مثلاً. و في نفس الوقت سيتضاعف دور من يقفون في صفي بنفس الشكل (ما عدا الرجل الأول لأنه سيظل الأول في الصف الجديد). و بالفعل تقبل الجميع هذا الحل، و في ثوانٍ معدودة أخذ كل واحدٍ دوره الجديد و سارت الأمور بكل سلاسة و الحمد لله تعالي.

في مرة ثانية كنت في أحد المواصلات العامة، و في أثناء سيرنا في أحد الطرق الجانبية ذات الاتجاهين (أو علي الأقل تسير فيه السيارات في الاتجاهين حتي إن كان اتجاهاً واحدا) فوجئنا بأن الطريق متوقف تماماً؛ لأن أحد أصحاب السيارات حشر مقدمة سيارته بين أتوبيس يسير في نفس اتجاهه و سيارة صغيرة قادمة من الاتجاه الآخر، في الواقع من الصعب أن أصف الوضع بالضبط لكن المهم هنا أنه لم يعد بإمكان السيارة القادمة من الاتجاه الآخر أن تمر، و المشكلة أن السيارات القادمة من خلف ذلك الرجل حشرته بدوره لتصير الأمور أكثر تعقيداً، و لبثنا دقائق و لا أحد يريد أن يتحرك ليحل المشكلة، و أحسستُ أنه بالفعل سنقف هكذا حتي يوم الحشر !.

 
إلي أن قام الرجل الذي يجلس بجانبي و نزل من العربة و أخبر السائق الأول أن يتراجع قليلاً، و طلب من السائق الذي يحشره أن يتراجع قليلاً بدوره، و هكذا ببعض التنظيم و التنسيق في ثوانٍ كان الجميع يسير (و لو ببطء في البداية) إلي وجهته بدلاً من أن نقف حتي تأكل الشمس رؤوسنا.

لعلكم لاحظتم أن حلول المواقف السابقة لم تكن عبقرية و لا خارقة للعادة، و لكن الحكاية كلها أن الناس لو أرادت الوصول إلي حل يرضي الجميع مع بعض التضحية من كل الأطراف فسيصلون إليه في الغالب ببعض الجهد و التنسيق و التضحية من كل الأطراف، أما إن كان كل واحد يريد الفوز بكل شيء و عدم التضحية بأي شيء فسيخسر الجميع في الغالب خسارة فادحة.

خذوا هذه القاعدة و طبقوها علي بعض المواقف التي تمرون بها، و سترون إلي أي درجة قد تصل الأنانية و عدم الرغبة في التعاون بين الناس إلي حدود تثير الدهشة و الامتعاض !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.