الاثنين، 2 مارس، 2015

إضاءة ظلام الأمسية (المقدمة)

 
 
في حفل التوقيع الخاص برواية "الأمسية المظلمة" (و الذي ذهبتُ إليه في الفترة الأخيرة) كانت هناك مناقشة ساخنة حول مسألة الرقابة الدينية علي أدب الخيال العلمي. و كان السؤال الرئيس في المناقشة بطبيعة الحال "هل يجوز إدخال الحلال و الحرام في أدب الخيال العلمي ؟". و لو كنتُ أعلم منذ البداية أن هذا النقاش سيتم لفضَّلتُ ألا أذهب من الأصل؛ نظراً لأنني هذه الأيام (و منذ فترة طويلة) أحاول قدر الاستطاعة إراحة بالي من المناقشات التي لا لزوم لها، و أحاول ألا أسمع و/أو أري أي شيء يمكن أن يسبب المزيد من التعب لأعصابي المرهقة من الأصل، و هكذا صرتُ أعزف عن الاشتراك في المناقشات السياسية و/أو العقدية أو ما شابههن مع من يخالفونني في المنهج.


لكن قدَّر الله و ما شاء فعل، فقد ذهبتُ و أنا لا أعلم بوجود ذلك النقاش، و بالتالي لم أستطع التحضير الجيد له عن طريق تنظيم النقاط التي سأتحدث فيها، و جمع الأدلة النقلية و العقلية علي ما أقوله من آراء. إلا أن الأمر الجيد أن هذه المسألة ترتبط بكثير من المسائل التي كنتُ أفكر فيها من قبل و كتبتُ عنها قليلاً أو كثيراً، لذلك استطعتُ طرح بعض النقاط و الدفاع عنها و الرد علي ما خالفها من آراء طرحها الآخرون. ثم بعد نهاية الأمسية خرجتُ مصدوماً من بعض الآراء التي سمعتُها كما هو متوقع؛ حيث أن أغلب الحاضرين (فيما عداي أنا علي الأقل) يميلون للاتجاه العالماني بشكل أو بآخر، و كانت أغلبيتهم (و لا أستثني نفسي هنا) من غير المتعمقين في العلوم الشرعية كما ينبغي.
 
و رغم أنني كنتُ أعلم تلك الآراء المخالفة و درستُها علي نحو أو آخر؛ بسبب قراءاتي المتعددة حول الأديان و العقائد و المناهج المختلفة و اهتمامي بهن، إلا أن سماع تلك الآراء من أفواه معتنقيها و مناقشتهم وجهاً لوجه كان صادماً في نهاية المطاف؛ لأن الأمر يحتاج لتدريب و مِراس حتي يعتاد الواحد منا علي سماع الآراء التي يختلف معها كل الاختلاف، و تدريباً و مِراساً أكبر حتي يكون بإمكانه أن يناقش أصحاب تلك الآراء، فالدراسة النظرية تختلف تمام الاختلاف عن أجواء المناظرة أو النقاش، و ربما يصلح أحدنا للدراسة النظرية و يبز فيها أقرانه، ثم تتعجب لأنه لا يطيق المناظرة و لا يجيدها من حيث تحمُّل سماع الرأي المُخالف الذي لا يطيقه، أو حتي من حيث القدرة علي طرح أفكاره نفسها في ذلك الجو !
 
و معظم الآراء كانت تصب في اتجاه أن للكاتب الحرية المطلقة في الرقابة الذاتية، ما دام يري أن ما يكتبه له فائدة و هدف راقيين، أو علي الأقل أن الجماهير هي التي يجب أن تحكم علي الأمور بالصواب أو الخطأ، و أن الخطأ و الصواب أمران نسبيان إلي حد كبير، و بالتالي لا يجوز عقلاً فرض رقابة علي الكاتب لأن ما قد يراه الرقيب خطأ قد يكون صواباً ما دامت الأمور نسبية. و وصل الأمر ببعضهم أن شكَّك في صحة السنة النبوية كلها؛ بحجة أن تلك الأحاديث التي بين أيدينا قد كُتبت بعد رسول الله صلي الله عليه و سلم بفترة طويلة، و بالتالي فربما تلاعب بها المتلاعبون لخدمة أهدافهم الخاصة !
 
و لم تنته الأمور عند هذا الحد؛ ففي طريق العودة إلي مسكني تحدثتُ لمدة غير قصيرة مع أحد أصحاب الآراء الصادمة لي في المناقشة، و كان فتي جامعياً يدرس الإعلام لمستُ فيه طيبة القلب من خلال حديثي معه. لكنه أخبرني بآراء أخري أكثر صدمة و إيلاماً من تلك التي سمعتُها منه أثناء النقاش، و حدثني عن هموم و شبهات تعبث بعقله كل العبث مع كثير من أبناء جيلنا. فرددتُ علي الفتي بما فتح الله تعالي به عليَّ، و طمأنتُ قلبه بأن أمثال هذه الشبهات تراود الجميع و أنني (و أنا صاحب تلك الآراء التي تختلف عن آرائه كل الاختلاف) قد راودتني شبهات مماثلة قديماً [1]، و أن الحصافة تكمن في الاستمرار في البحث عن الحق في كل اتجاه بالدليل و البرهان، حتي ييسر الله تعالي للباحث الوصول إلي مبتغاه.
 
ثم رأيتُ مؤخراً أنه من الأفضل أن أكتب مجموعة الآراء و الشبهات التي سمعتُها في تلك الليلة (سواء أثناء النقاش أو أثناء حديثي مع الفتي الجامعي بعد المناقشة)، و أن أرد علي كل شبهة منهن في مقال منفصل يوفيها حقها من الرد الواضح المؤيد بالأدلة و البراهين النقلية و العقلية؛ بحيث تكون مرجعاً لي فيما بعد حينما أريد التعمق أكثر في أي نقطة من النقاط، أو حين الدخول في مناقشة مشابهة مستقبلاً. و ربما تجدونها بعون الله تعالي ذات فائدة في رفع شبهة تحوم حول قلوبكم و/أو قلوب أشخاص تعرفونهم فيكتب الله تعالي بها نفعاً للناس.
 
و قائمة النقاط التي سأتحدث فيها بمشيئة الله تعالي كما يلي:
  • هل يدخل الحلال و الحرام في الأدب (و سائر الأنشطة البشرية تعميماً)، أم أن هذا يُعتبر حجراً علي الإبداع و رقابة تضاد الحرية اللازمة للمبدعين ؟
  • هل السنة محفوظة معصومة يمكن الاعتماد علي نصوصها التي بين أيدينا في التحليل و التحريم، أم أنها محرفة تلاعب بها المتلاعبون لخدمة أهدافهم و مذاهبهم المختلفة ؟
  •  لماذا يتركنا الله تعالي نظلم بعضنا البعض رغم أنه يخبرنا أنه لا يحب الظلم و الفواحش ؟
  • هل يجوز لنا خرق بعض المحرمات حينما تكون الفائدة كبيرة، فنسمح مثلاً ببعض العري في الأفلام حينما يتم استغلال ذلك في إيصال قيم و أهداف نبيلة ؟
  • من له سلطة التحليل و التحريم و تطبيق ذلك علي أرض الواقع، و من يكون رقيباً علي الرقباء ليضمن ألا يسيئوا استغلال السلطة التي تحت أيديهم ؟
 
 
----------------------
[1] و لا تزال بعض الشبهات تطرق باب قلبي بين فترة و أخري، و لكني أستعين بالله تعالي و أردها بالمزيد من البحث و تحصيل العلم الشرعي و الحمد لله رب العالمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.