الجمعة، 15 مايو، 2015

إضاءة ظلام الأمسية (1- حق الألوهية)

 
 
في هذا المقال أحاول الإجابة علي السؤال الأول من قائمة الأسئلة التي ذكرناها في المقدمة سابقاً، و هو:
"هل يدخل الحلال و الحرام في الأدب (و سائر الأنشطة البشرية تعميماً)، أم أن هذا يُعتبر حجراً علي الإبداع و رقابة تضاد الحرية اللازمة للمبدعين ؟".

 

- ضبط المصطلحات:

في البداية، فإن من أهم الأمور التي يجب التنبه لها حينما نناقش كثيراً من الأمور الحساسة هي جزئية المصطلحات المستخدمة؛ فهناك الكثير من المصطلحات التي أصبحت "سيئة السمعة" [1] و تقشعر جلود الناس لسماعها، و لكن حينما نستخدم مصطلحات
أخري مختلفة عنها و تعبر عن نفس المعني نجد أنهم يتقبلون كلامنا ببساطة (بل و ربما بمنتهي القبول و الاقتناع) !، و سبب ذلك أن المصطلحات الأولي قد يكون جري تشويهها إعلامياً و/أو تحولت في أعين الناس إلي أغلفة فارغة من المحتوي. و بالتالي يكون من اللازم علي الواحد منا حينما يخاطب فئة معينة أن يستخدم قائمة ألفاظ تناسب تلك الفئة، بحيث تعبر عن المعني الذي يريده و تبعده (و لو بشكل مرحلي مؤقت) عن تلك التي لها سمعة سيئة عندها [2].
 
و بما أننا نتحدث هنا عن "رقابة الله تعالي علي عباده" فدعونا نتخلي مؤقتاً عن المصطلحات التالية "رقابة، حلال، حرام، ثواب، عقاب"، و دعوناً نستخدم تعبيراً أكثر أناقة و يعبر عن نفس المعني "أوامر الله تعالي و نواهيه في حياة البشر، و نتيجة ذلك في الآخرة"؛ فهو تعبير فصيح أنيق لم يتم تشويهه إعلامياً في مسرحيات و أفلام و مسلسلات العالمانيين و مَن وافقهم، و كذلك فهو يعبر بمنتهي الدقة عن المعني الذي نريد التحدث عنه.
و هكذا سيمكننا أن نطرح السؤال المباشر البسيط الذي ستتكفل إجابته بإنهاء المشكلة الكبري "هل يمكن لله تعالي أن يأمرنا و/أو ينهانا بخصوص أمور في نشاطات بشرية متعددة، و أن يترتب علي ذلك نتائج في الحياة الآخرة ؟".
 
- فطرة سليمة:

و لا أظن أن هناك من يؤمن بوجود الله تعالي و ألوهيته و يجرؤ علي قول "لا" كإجابة علي السؤال السابق؛ فمادمتَ قد آمنتَ بوجود الإله الكامل المتفرد الذي أخرج كل المخلوقات من العدم، و بما أنك تؤمن أنه هو الذي صنع تلك المخلوقات و صنع الكون من
حولها، و بما أنك تؤمن أنه خلق الدنيا و الآخرة حسب السنن التي أرادها، و بما أنك تؤمن أن له الحكمة التامة و العلم الكامل: فمن الطبيعي أن تؤمن أن لذلك الإله حقاً (لا يصح أن يُنازَع فيه) في أن يأمر تلك المخلوقات (التي خلقها) بأن تسير علي منهج معين في الدنيا (التي خلقها)، و ذلك لأجل الحصول علي رضاه و نيل جوائزه، و الهروب من سخطه و عقابه في الآخرة (التي خلقها).
 
هذه نتيجة منطقية تماماً، و لا يصح لعقل سليم أن يحيد عنها و إلا خالف الفِطرة السليمة المبثوثة في نفوس المخلوقات كلها. و هكذا لا يصح أن تأتي و تسمي بعض الأنشطة البشرية باسم معين، ثم تقول أن الله تعالي لا حق له بالتدخل في هذه الأنشطة، بحجة أنها تخضع للفهم البشري الصرف الذي لا ينبغي الحَجْر عليه. فتضم بعض الأنشطة البشرية مثلاً تحت مسمي "السياسية" و البعض الآخر تحت مسمي "الأدب"، ثم لا تعترف في هذين المجالين إلا بما يراه عقلك القاصر و فهمك البشري الضعيف. و هكذا تجعل نفسك إلها فوق الإله؛ بحيث تُحدِّد لله تعالي مناطق نفوذه و ما يصح له أن يتدخل فيه و ما لا يصح، بطريقة هوائية مئة بالمئة.
 
و الصواب هو أن تري الأوامر و النواهي العامة و الخاصة التي أعطاها لك الإله الذي تؤمن به، ثم تقوم بناءً عليها بتحديد ما هو المسموح لك أن تجتهد فيه بعقلك و جهدك، و لا تخالف ما تري أنه أمرٌ من ذلك الإله كامل القدرة. و في هذا يقول الله تعالي: { و َمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ و َرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ و َمَنْ يَعْصِ اللَّهَ و َرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا ً(36)} (سورة الأحزاب). و في تلك الآية نري حث المؤمن و المؤمنة علي الاتزام بما يؤمنون به و ألا يقعوا في تلك المغالطات العقلية.
و قد جعل الله تعالي الطاعة و الإيمان التام بوجوب التحاكم إلي شرعه الكريم من شروط الإيمان الصحيح، حيث قال تعالي: {فَلَا وَ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)} (سورة النساء). فليس التحاكم فقط هو الشرط، بل يجب ألا يجدوا في أنفسهم أي حرج من الحكم الإلهي و أن يسلموا به كل التسليم.
 
- تناقض العالمانيين و الملاحدة:

و هذه هو المبدأ الأساسي التي يتناقض من ينتسبون للإسلام من المصرحين بعالمانيتهم فيه؛ حيث أنه كما أسلفنا القول إما أن تؤمن بالإله كامل القدرة و بالتالي تطيع أوامره و نواهيه كاملة، و ألا تحاول الالتفاف علي تلك الأوامر و النواهي بتسمية بعض أنشطة
البشر بمسميات مختلفة ثم تنزعها من سلطة أوامر الله تعالي و نواهيه، أو أن ترفض الإيمان بإله و تصبح ملحدا، و بالتالي لا تلتزم بأي أوامر و نواهي  صادرة من أي إله؛ لأنك لا تعترف من الأصل بوجود آلهة. لكن أن تصرح بأنك تؤمن بإله كامل القدرة ثم تنصب نفسك حاكماً عليه و علي اختصاصاته فهذا من أسخف الأمور، و من أشدها مناقضة للعقل و الفِطرة السليمين.
 
و قد سمَّي الله تعالي أصحاب هذا المنهج بالـ"منافقين"  لإظهارهم الإيمان بالله و رسوله ثم نفورهم من أوامره و نواهيه، و رغبتهم في التحاكم إلي ما يميل إليه هواهم. و ذلك في قوله تعالي: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَ مَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَ يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَ إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (61)} (سورة النساء).
 
و الواقع أن الملاحدة أيضاً لم يسلموا من التناقض فيما يؤمنون به في هذه النقطة؛ فنحن نجد أن مختلف أمم الأرض و شعوبها كانوا يعبدون آلهةً ما، و مهما اختلفت هذه الآلهة و تعددت في صفاتها و مناهجها و رغباتها و أهدافها فإنها تظل أعلي من البشر و لها القدرة العليا و الهيمنة [3]. ثم نجد الملاحدة يصرحون بأن كل هذه الأفكار بأجمعها باطلة مئة بالمئة، و ليس هناك من بينها ما يحمل ذرةً من الحقيقة (علي الرغم من أن كل تلك الأديان تشترك علي الأقل في مباديء و ركائز عامة تربط بين البشر كلهم).
 
ثم تفاجأ بأن أولئك الملاحدة جعلوا أفكارهم الإلحادية مباديء راسخة و حقائق لا تقبل النقاش، و بالتالي تحول تشكيكهم في العقائد و الأقكار المختلفة من مجرد شكٍ منهجيٍ يُحاوِلون به الوصول للحق بالدليل و البرهان [4] (كما يحاولون إيهام الناس و التلبيس عليهم)، إلي يقينٍ عقائديٍ جديد، و بدلاً من أن يبتعدوا عن عبادة كل الآلهة: يجد الملحد نفسه يعبد هواه و أفكاره الخاصة و يؤسس لها ديانةً يُحاول إخضاع الجميع لها و لو بالحديد و النار !. و انظروا إن شئتم إلي الشيوعية و ما جرته علي العالم من ويلات عقائدية و بشرية و مادية.
 
- رفعة الإله عن المُساءلة:
و من صفات الله تعالي التي لا يُشاركه فيها غيره أنه { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) }(سورة الأنبياء)؛  فبما أنه هو الإله الحق الذي له الحكمة الكاملة و المعرفة التامة، و بما أننا مخلوقات ناقصة الإدراك لا يمكنها إدراك الحكمة الإلهية حق الإدراك (و إلا صرنا نشارك الإله في إحدي صفاته، و الإله الحق لا يشاركه في صفة من صفاته أحد، و إلا صار من المنطقي أن يكون هناك من يشاركه كل صفاته الأخري)،  أقول: بناءً علي ما فات فإن من يؤمن بذلك الإله المتفرد في صفاته عليه أن يُقر له بالحرية التامة في التصرف و تسيير مقادير مخلوقاته كيفما شاء، بدون شك في حكمته و وجود الخير في تلك المقادير. و علي ذلك المؤمن أن يتبع أمر الإله و نهيه كل الاتباع؛ للحق الأصيل لذلك الإله الخالق في الاتباع، و لكون الخير كل الخير في السير علي أمره و نهيه.
 
---------------------------------
[1] قَال "ابن مسعود" رضوان الله عليه :" مَا أَنْتَ مُحَدِّثًا قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ: إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةٌ " (صحيح مسلم). و هناك بابٌ في "صحيح البخاري" أسماه "بَاب مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا، وَ قَالَ عَلِيٌّ  'حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا
يَعْرِفُونَ؛ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ' ".
[2] أعني أنها سيئة السمعة لدي الناس، و ليس أنها سيئة في ذاتها، و حاشا لكثير مما يراه الناس قبيحاً أن يكون قبيحاً.
[3] هناك نوع من الاستثناءات لهذه القاعدة، تحدثتُ عنه سابقاً في مقال "قاعدتان وثنيتان".
[4] و هو ما نحاول نحن المسلمون دفع أهل العقائد الباطلة إليه.

هناك تعليق واحد:

  1. بالتوفيق و البركة. أتمنى لك كل خير.

    ردحذف

تابع الجديد علي البريد الإلكتروني.